جان لوئيس بوركهارت
157
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
والعشب . ومثل هذا يدعى غديرا في الصحارى العربية . ومضينا في السهل بعد الظهر ، وكانت تحيط بنا من كل صوب طوال يومنا بحيرات السراب ، وكان لون السراب أزرق خالصا ، وبلغ من صفاء لونه أن انعكست عليه ظلال الجبال التي تحف بالأفق انعكاسا دقيقا غاية الدقة ، حتى ليخيل للرائي أنه صفحة الماء ما في ذلك شك . ولقد طالما شهدت السراب في الشام ومصر ، ولكنه كان يضرب إلى البياض كأنه ضباب الصبح ، وكان دائم التذبذب والاهتزاز لا يستقر له على السهل قرار . أما السراب هنا فيختلف عن هذا كل الاختلاف ، وهو شبيه كل الشبه بالماء ، ولعل الخلاف راجع إلى شدة جفاف الهواء والتربة في النوبة . كذلك لحظت أن السراب هنا يبدو أقرب للناظر مما يبدو سراب الشام ومصر ، فهو لا يتجاوز المائتى خطوة بعدا ، ولم أره قبل ذلك على مسافة تقل عن نصف الميل . وعددت مرة نحو اثنى عشر سرابا حولنا ، كل منها قائم بذاته ، وجلها في المنخفضات . وبعد مسيرة ثماني ساعات وقفنا بوادي أم دوم . واسم الوادي يدل على وجود شجر الدوم به ، ولكني لم أعثر فيه على دوم ولا على غيره . وقد لحظت أن الوديان جنوبي أم قات تمتد في الغالب من الشرق إلى الغرب ، في حين تمتد الوديان الشمالية موازية لطريقنا . وكان اتجاهنا لا يزال جنوبيا شرقيا . 17 مارس - بارحنا الوادي في الصباح ودنونا من جبال شقرة الشامخة ، وهي الجبال التي تراءت لنا من بعيد طوال الأمس . وبعد مسيرة ساعتين دخلناها ، ثم ملنا شرقا فجئنا واديا طيبا يزخر بأشجار الدوم وتحفه على الجانبين صخور قائمة لا سبيل إلى ارتقائها . ومشينا مع الوادي تسلك منعطفاته أربع ساعات حتى جئنا عين شقرة فحططنا عندها رحالنا . والجبال المحيطة بنا كلها من الجرانيت ، وتتألف من كتل مختلفة الحجوم مكدس بعضها فوق بعض في فوضى عجيبة . وتأملت الصخر قرب مدخل الجبل ، حيث ينبع الماء ، وعلى مسافة تحت أعلى القمم ، فوجدته من السماق الضارب إلى الحمرة ، دقيق الحبيبات ذا عروق صغيرة من الفلسپار ، وهو شديد الشبه بالسماق الذي شهدته في العام الماضي بوادي لامولة بعد الشلال الثاني . والطريق إلى العين شاق لأنه في نهاية درب ضيق جدا في فلقة